مصطفى لبيب عبد الغني

146

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

من طول الإلف لمذهبهم ومرّ الأيام والعادة واغترارهم بلحى التيوس المتصدرين في المجالس يمزقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان وبرواياتهم الأخبار المتناقضة ، وأما الأخبار الصحيحة فمنها ما يشكل معناها ومنها ما يقع فيها النسخ فأما ما يشكل معناها فكثيرة ومن لا يعرف معانيها يقدّر فيها التناقض ، ومنها ما يقع فيها الزيادة والنقصان ، ويوهمّ فيها المحدّث ويغلّط » « 1 » . وحجة الرازي في ذلك واضحة وقاطعة ؛ ذلك أن « الشئ لا يصح لإقرار الناس به كما لا يفسد لاختلافهم فيه . ولو كان حقا لإقرار من أقّر به لكان فاسدا باطلا لا متناع من امتنع عنه ، فيكون الشئ فاسدا صحيحا في حال وباطلا في حال وهذا محالّ . . . وإنما لا تحتاج إلى دليل الأشياء المشاهدة وأوائل البرهان العقلية » « 2 » . ومن ثم تلزم المراجعة الدائبة للأفكار وعدم الركون إلى صوابها بإطلاق والتخلص من الوقوع تحت سلطة من السلطات الضاغطة على العقل ، ولا يقدح ذلك أبدا في الفضيلة العقلية للإنسان « إذ لسنا بمنتقصين إن أقررنا بالنقص إذ كان ذلك هو الحق وكان الاقرار بالحق أكثر شرفا وفضيلة » « 3 » . فالعالم الحق عدوّ لكل مذهب تسلطى ، وفضلا عن ذلك ، فإن عليه - وهو يجد نفسه يخطئ أحيانا - أن يتعلم كيف يحصنّ نفسه ضد الأخطاء . وهو لا يستطيع أن يسمح

--> ( 1 ) راجع النصوص الواردة في كتاب « أعلام النبوة » . Orientalia , vol . 5 , pp . 358 - 359 . ( 2 ) الرازي : « مقالة فيما بعد الطبيعة » ص 116 وقارن في هذا ما يقوله أيضا برهانا علي موضوعية الحقيقة دون ارتباطها بمواضعات نسبية خارجية « رأينا اعتماد المقلدين في اعتقادهم صحة مذاهبهم على تصديق اسلافهم وتعظيم وكثرة مساعديهم [ يعنى بذلك أهل الإسلام ] . . . فإن كان ذلك حقا لهذه العلة . . . فإن النصرانية حق برومية وباطل في سائر البلدان ، كذلك اليهودية حق بالخزر وباطل في سائر البلدان ، والمجوسية حق أيام الأكاسرة وباطل في دولة الإسلام . وإن وجب ذلك وجب أن يكون الشئ حقا باطلا وهذا خلف » . ( 3 ) راجع : « أعلام النبوة » في : Qrientalia , p . 367